السبت، 18 يونيو، 2011

سَرَحات فلسطينيّة



سَرَحات فلسطينيّة
تأليف: رجا شحادة
ترجمة: د. ليلى كريستينا أحمد فؤاد
مراجعة الترجمة والتحرير: دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

(( ثمَّ سمعنا أصواتاً. تطلَّعْنا إلى حولنا، فوجدنا عدداً من المستوطنين يقتربون أسفل الخندق في الجهة المقابلة لمجرى النهر. وافترضنا أنّهم على الأرجح من مستوطنة ألمون، وقد جاءوا لزيارة النبع الذي يقع بجوار مكان سكناهم. لا شكَّ أنهم اعتبرونا من المتعدّين، وظنُّوا أننا نمثل خطراً محتملاً، إلا أنَّ مظهرنا ونحن نشرب القهوة ونأكل السلطة لم يكنْ بالتأكيد مظهر من يقومون بالمهام العسكريّة. وعلى الرَّغم من ذلك جاءت إحدى الفتيات من المجموعة واقتربت من ريما لتسألها:" من أين أتيتم؟"، فجاءت إجابة ريما بسيطة وصحيحة:"من هنا")).
جاء هذا على لسان المحامي الفلسطينيّ رجا شحادة في كتابه" سرحات فلسطينية" الذي يعرضُ فيه قدراً  من الجولات في بعض مناطق فلسطين التي استطاع الوصول اليها ، هذا الكتاب هو كتاب توثيقي بالدرجة الأولى ، يحوي نزعة روائية اقتضتها بعض الأحداث في حين لم يخلُ أبداً من ذكر حقائق ظاهرة للعيان وموجودة على الأرض بشكل لا يدع مجالاً للشك فيها رغم المحاولات الاستيطانيّة المتكررة لطمسها، لم أكنْ أفكّر في الكتابة عنه ، فقد كنتُ أظنُّ أن ما سأكتبه لن يكون الا تكراراً لما قِيل فيه ، ولكن ثمّة دائماً ذلك الدافع الغريزي القوي الذي يقودُنا نحو الحديث ورفض مجرد عبور القضايا المصيريّة وكأنها لزام لواقعنا المُعاش ،تأتي الآن وفي هذا الكتاب تلك الفكرة التي لم تنفكّ تراودني مذ بدأتُ قراءته الى اللحظة التي أنهيته فيها ، فكرة أن القضية الفلسطينيّة الآن لا تعدو كونها قضيّة سياسية تتسلّم أوساط معيّنة الحديث بها في حين تنشغل الغالبية العظمى عنها بمشاكلها اليوميّة والتي هي أًصلاً نتاج طبيعي من القضيّة الكُبرى ، انَّ  ما ودَّ رجا شحادة قوله وما أود التنويه اليه الآن هو أن هذه القضية هي ليست قضية سياسية فحسب ، انما هي قضية حياة ، قضية شعب ، قضية إنسانية ، انثروبولوجية ،دينية ،تاريخية، اقتصادية ، صحيّة والذي لم يغبْ أبداً في الكتاب كونها أيضاً قضيّة بيئية.
ان ما يحيي الصمود والنضال اليوميّ في حياة الشعوب هو إدراكهم وإحصاؤهم لحجم وطبيعة ذلك الشيء الذي يناضلون من أجله ، أن يكون لديهم وعي دائم ومتجذرلما يريدون وما بحوزتهم الآن ، أن لا يكتفوا بالمعلومات المقدمة إليهم ، والتي دائماً ما تكون موفرة ضمن خطة مدروسة بدقة وعناية ، خطة تجهيلية  غالباً ما يلقنها المفاوضون والمقايضون في أفواه الشعوب كي يحلوا لهم اللعب بالخرائط والبيع والشراء بالطريقة التي يودّون ودون أدنى معارضة ، فهم الحاملون عبء القضية ! وهنا تجئ أهمية هكذا كتب توثيقيّة فهذي السرحات التي قام بها المحامي رجا شحادة هي ليست مجرد نزهات في الريف حيث الماء والخضراء والوجه الحسَن ، إنما هي محاولة لإيقاظ وسيلة ناجعة جدّاً للحفاظ على ما تبقى من الأرض لنتمكن من أن نناضل لأجل ما فقدنا ، بحيث تنقسم هذه السرحات إلى 6 أقسام على مدار 72 عاماً ، ماراً في تلال رام الله والقرى المحيطة بها ، وبرية القدس بالإضافة لوديان البحر الميت المنخفضة .
على أرض الواقع كل شيء يختلف ، تتخذ خرائط المفاوضين منحى آخر مغاير جدّاً لذلك الذي نألفه ، فنرى المستوطنات تلتف كأفعى خبيثة حول قرانا وتلالنا ، ونلحظ الجدار العنصري يقضم ما تبقى منها فيحيل الأرض لتشرذمات لا تستحق عناء المؤتمرات ، على أرض الواقع تتخذ الحقيقة شكلها الظاهريّ رغم أنوف المفاوضين ،"وكانت الرسالة واضحة؛ فالكفاح الوحيد الذي تمَّ الاعتراف به هو الكفاح الذي تقوم به منظمة التحرير الفلسطينية خارج الأراضي المحتلة. ومثلما الحال مع سلمى، فان مفاوضي المنظمة لم يكن لديهم إحساس حقيقي بواقع المستوطنات وأهدافها. ولذا فان الاتفاقيات التي قامت بتوقيعها كرست الترتيبات الإسرائيلية القانونية والإدارية التي تحقق تقسيماً غير عادل للأراضي بين العرب واليهود". في الواقع الأرض هي التي تتحدث ، التراب والصخور والنباتات تتقن لغة الرّفض فتدل دائماً إلى سكانها ومارّيها الأوائل ، إلى الفلسطينيّين الكنعانيّين.
القضية لا تحتاج إلى جغرافيين يتقنون لغة الخرائط ليتم التعرف على حجم الضياع المهيب الذي تتعرض له بين كل اتفاقية وسابقتها ، كل ما هنالك أن هنالك حاجة عاجلة لعين ترى وتبصر ما حولها ، عين تدرك أن ما حدث وما سيحدث هو ذنبها وان المسؤولية ملقاة على الجميع دون استثناء ، ليس هنالك حبلٌ واحد وحيد نجعله ذريعة لتخلّينا إنها قريبة بقدر قربنا من أنفسنا ، والحديث والصراخ بها هو المهمة اليومية لكل قاطني هذي الأرض ولكل الحالمين في البقاء فيها ..